ملا محمد مهدي النراقي

222

جامع السعادات

وليعلم أيضا أن المتوكل على الله والمتصف بالحرية ، لا يبدل التوكل والحرية بهذه الأفعال لأجل الوصول إلى بعض خبائث الأموال ، فليعاتب نفسه ويزجرها بالمواعظ والنصائح ، ويتذكر ما ورد في الشريعة من ذم المستهزئين وتعذيبهم يوم القيامة بصورة الاستهزاء ، قال الله جل شأنه : " لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " ( 14 ) . وقال ( ص ) : " إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة ، فيقال : هلم هلم ! فيجئ بكربه وغمه ، فإذا أتى أغلق دونه ، ثم يفتح له باب آخر ، فيقال : هلم هلم ! فيجئ بكربه وغمه ، فإذا أتى أغلق دونه . فما يزال كذلك ، حتى يفتح له الباب ، فيقال له : هلم هلم ! فما يأتيه " . وقال ابن عباس في قوله تعالى : " يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " ( 15 ) . " الصغيرة : التبسم بالاستهزاء بالمؤمن ، والكبيرة : القهقهة بذلك " . وفيه إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم العظيمة . ثم جميع ما ذكر إنما هو في حق من يؤذي الناس ويهينهم باستهزائه وسخريته ، وأما من جعل نفسه مسخرة ويسر بأن يهزل ويسخر به ، وإن كان هو ظالما لنفسه خارجا عن شعار المؤمنين ، حيث أهان نفسه وأذلها ، إلا أن سخرية الغير به من جملة المزاح ، ويأتي ما يذم منه وما يحمد ، وإنما المحرم منه ما يؤدي إلى إيذائه وتحقيره : بأن يضحك على كلامه إذا يخبط ولم ينتظم ، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة ، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا أو طويلا أو ناقصا بعيب من العيوب . فالضحك على جملة ذلك داخل في السخرية المنهي عنها . وطريق علاجه - بعد تذكر ما تقدم - أن استهزاءه يوجب خزي نفسه يوم القيامة عند الله وعند الملائكة والنبيين وعند الناس أجمعين ، فلو تفكر في حسرته وحيائه وخجله وخزيه يوم يحمل سيئات من استهزأ به ويساق إلى النار ، لأدهشه ذلك عن إخزاء غيره ، ولو عرف حقيقة حاله يوم القيامة ،

--> ( 14 ) الحجرات ، الآية : 11 . ( 15 ) الكهف ، الآية : 50 .